السيد كمال الحيدري
266
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
تُرْجَعُونَ « 1 » . هذا عن الشرّ في مقابل الخير ، أمّا عن المصائب فهناك مثلًا قوله سبحانه : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ « 2 » ، وقوله : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ « 3 » ، وقوله : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ « 4 » . الشرّ على مسار التأريخ بإزاء هذه الخلفية الوجدانيّة والحسّية والدينيّة صار لقضية الشرّ وجودها العريق الذي صاحب الإنسانية منذ بواكير وعيها الأولى ، ثمّ سايرها في جميع مراحلها ولا يزال . بالطبع ، تفاوتت البشريّة في وعيها لمقولة الشرّ وطريقة تعاطيها مع الظاهرة تبعاً لتفاوت وعيها ونموّه . وهذا ما يفسّر لنا اختلاف النظريات التي برزت على هذا الصعيد . ولكن في كلّ الأحوال كانت هذه التنظيرات مرتبطة جميعاً بالوعى الديني للإنسان ، بل نزعم أنّه لا وجود لتنظير حيال الظاهرة لا يمتّ بصلة إلى الدين والفكر الديني ، قرُبت هذه الصلة أم بعدت . وحتّى حالات القطيعة مع التفسير الديني هي في حقيقتها صدىً معاكس للرؤية الدينيّة . ومردّ ذلك أنّ الدين ظاهرة وُلدت مع ولادة الإنسان نفسه ورافقته منذ اللحظة الأولى لنشأته على هذه الأرض ، وبتعبير أحد الباحثين المعروف بالتتبّع : « إنّ الدين أعمق في كيان الإنسان من الخيال الذي يولّد الأساطير ويخلق أشباح الفنون » « 5 » . إذا كان الأمر كذلك ، لا معنى لحديث في التنظير للشرّ عن مرحلة سبقت
--> ( 1 ) الأنبياء : 35 . ( 2 ) الحديد : 22 . ( 3 ) التغابن : 11 . ( 4 ) الشورى : 30 . ( 5 ) إبليس ، عبّاس محمود العقّاد ، المجموعة الكاملة ، المجلّد الثاني عشر ، العقائد والمذاهب ( 2 ) ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، 1979 ، ص 217 .